الجصاص
463
أحكام القرآن
ومن سورة الأحزاب بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى : ( ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه ) . روي عن ابن عباس رواية : " أنه كان رجل من قريش يدعى ذا القلبين من دهائه " ، وعن مجاهد وقتادة مثله . وعن ابن عباس أيضا : " كان المنافقون يقولون : لمحمد صلى الله عليه وسلم قلبان ، فأكذبهم الله تعالى " . وقال الحسن : " كان رجل يقول : لي نفس تأمرني ونفس تنهاني ، فأنزل الله فيه هذا " . وروي عن مجاهد أيضا : " أن رجلا من بني فهر قال : في جوفي قلبان أعقل بكل واحد منهما أفضل من عقل محمد ، فكذبه الله عز وجل " . وذكر أبو جعفر الطحاوي أنه لم يرو في تفسيرها غير ما ذكرنا ، قال : وحكى الشافعي عن بعض أهل التفسير ممن لم يسمه في احتجاجه على محمد في نفي أن يكون الولد من رجلين أنه أريد بها : ما جعل الله لرجل من أبوين في الاسلام . قال أبو بكر : اللفظ غير محتمل لما ذكر ، لأن القلب لا يعبر به عن الأب لا مجازا ولا حقيقة ، ولان ذلك اسم له في الشريعة ، فتأويل الآية على هذا المعنى خطأ من وجوه . وقد روى أبو سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه رأى جارية مجحا فقال : " لمن هذه الجارية ؟ " فقالوا : لفلان ، فقال : " أيطؤها ؟ " قالوا : نعم ، قال : " لقد هممت أن ألعنه لعنة رجل يدخل معه في قبره ، كيف يورثه وهو لا يحل له ! أم كيف يسترقه وقد غذاه في سمعه وبصره ! " فقوله : " قد غذاه في سمعه وبصره " يدل على أن الولد يكون من ماء رجلين . وقد روي عن علي وعمر إثبات نسب الولد من رجلين ، ولا يعرف عن غيرهما من الصحابة خلافه . وقوله تعالى : ( وما جعل أزواجكم اللائي تظاهرون منهن أمهاتكم ) . قال أبو بكر : كانوا يظاهرون من نسائهم فيقولون أنت علي كظهر أمي ، فأخبر الله تعالى أنها لا تصير بمنزلة أمه في التحريم ، وجعل هذا القول منكرا من القول وزورا بقوله تعالى : ( وإنهم ليقولون منكرا من القول وزورا ) [ المجادلة : 2 ] وألزمه بذلك تحريما ترفعه الكفارة ، وأبطل ما أوجبه المظاهر من جعله إياها كالأم لأن تحريمها تحريما مؤبد .